أحمد مصطفى المراغي
31
تفسير المراغي
فيا أتباع الأنبياء . أين عقولكم ؟ إن اللّه أرسل إليكم رسلا فجعلتموهم محل الشقاق ومثار النزاع ، لم هذا ؟ هل اختلاف الشرائع مع اتحاد الأصول والعقائد ينافي المودة والمحبة ؟ وأين أنتم يا أتباع محمد ؟ ما لكم كيف تفرقتم أحزابا ؟ هل اختلاف المذاهب كشافعية ومالكية ، وزيدية وشيعة يفرق العقيدة ؟ وكيف يكون هذا سبب التفرقة فهل تغير الدين ؟ وهل تغير القرآن ؟ وهل تغيرت القبلة ؟ وهل حدث إشراك ؟ كلا كلا ، فإذا كان العيب قد لحق الأمم المختلفة على تنابذها ، فما أجدركم أن يلحقكم الذم على تنابذكم وأنتم أهل دين واحد . ولا علة لهذا إلا لجهالة الجهلاء ، فقد خيّم الجهل فوق ربوعكم ومدّت طنبه بين ظهرانيكم ، لأنكم فرطتم في كتاب ربكم : ظننتم أن أسس الدين هي مسائل العبادات والأحكام ، وتركتم الأخلاق وراءكم ظهريا ، وتركتم آيات التوحيد والنظر في الأكوان ولو أنكم نظرتم إلى شئ من هذا لعلمتم أن كل ذلك من دينكم وأنتم عنه غافلون . وبعد أن ذكر سبحانه ما حدث من أمم أولئك الأنبياء من التفرّق والانقسام فيما كان يجب عليهم فيه اتفاق الكلمة ، ومن فرحهم بما فعلوا - أمر نبيه أن يتركهم في جهلهم الذي لا جهل فوقه ، لأنه لا ينجع فيهم النصح ، ولا يجدى فيهم الإرشاد فقال : ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) أي فذرهم في غيّهم وضلالهم إلى حين يرون العذاب رأى العين . ونحو الآية قوله : « فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً » وقوله : « ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » . وقد جعلوا في غمرة تشبيها لحالهم حين ستر الجهل والحيرة عقولهم بحال من غمره الماء وغطّاه . ثم بين خطأهم فيما يظنون من أن سعة الرزق في الدنيا علامة رضا اللّه عنهم في الآخرة فقال : ( أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ )